قراءةٌ في المناظرات | لماذا يجمع الشيعة بين الصلاتين؟

وكالة الحوزة - يروي الدكتور محمّد التيجانيّ السماويّ كيف اقتنع، بعد حضوره مجلس الشهيد آية اللّه محمّد باقر الصدر (رحمه اللّه) ورجوعه إلى المصادر المعتبرة لدى أهل السنّة، بأنّ الجمع بين الصلاتين جائزٌ شرعًا حتّى من غير ضرورةٍ، وأنّ هذا الأمر ثابتٌ أيضًا في سنّة النبيّ الأكرم (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم).

وكالة أنباء الحوزة - يضمّ كتاب "101 مناظرةٍ شيّقةٍ وممتعةٍ"، من تأليف محمّد محمّدي الإشتهاردي، مجموعةً من المناظرات المتنوّعة التي تناولت عددًا من المسائل العقديّة والدينيّة. وفي ما يلي، نستعرض إحدى تلك المناظرات التي دارت بين الدكتور محمّد التيجانيّ السماويّ والشهيد آية الله محمّد باقر الصدر (رحمه الله)، حول مسألة الجمع بين الصلاتين.

يقول الدكتور التيجانيّ السماويّ: «كان أهل السنّة يعدّون الجمع بين صلاتَي الظهر والعصر، وكذلك بين صلاتَي المغرب والعشاء، باطلًا، ويرون أنّ على المسلم أن يؤدّي كلّ صلاةٍ في وقتها المحدّد. وكنتُ حينها، وأنا سنّيٌّ، أصلّي على هذا الاعتقاد، وأرى أنّ أداء الظهر والعصر متعاقبتين، وكذلك المغرب والعشاء، لا يصحّ.

وعندما وطئتُ أرض النجف الأشرف، دلّني أحد أصدقائي على آية الله الشهيد محمّد باقر الصدر (رحمه الله)، فتشرّفتُ بالحضور بين يديه. وحين أزف وقت صلاة الظهر، توجّه السيّد الصدر إلى المسجد، فمضيتُ أنا وسائر الحاضرين خلفه، فصلّينا هناك.

ورأيتُ أنّ السيّد الصدر، ما إن فرغ من صلاة الظهر، حتّى بادر بعد فاصلٍ يسيرٍ إلى إقامة صلاة العصر. ولم أكن، بحكم المكان والظروف التي كنتُ فيها، أستطيع الخروج من الصفّ؛ فكانت تلك أوّل مرّةٍ أصلّي فيها العصر عقيب الظهر. غير أنّني وجدتُ نفسي تحت وطأة قلقٍ شديدٍ، وأخذ يتردّد في ذهني سؤالٌ ملحٌّ: هل صلاة العصر التي أدّيتها صحيحةٌ؟»

ويتابع حديثه قائلًا: «في ذلك اليوم، كنتُ ضيفًا عند الشهيد الصدر (رحمه الله)، وسنحت لي فرصةٌ طرحتُ فيها، بحضور السيّد الصدر، هذا السؤال: هل يجوز للمسلم أن يؤدّي صلاتين مفروضتين معًا عند الضرورة؟

فأجاب الشهيد الصدر: نعم، يجوز ذلك. فالجمع بين فريضتَي الظهر والعصر، وكذلك بين فريضتَي المغرب والعشاء، جائزٌ في جميع الأحوال، حتّى من غير ضرورةٍ.

فسألته: وما دليلكم على هذه الفتوى؟

فقال الشهيد الصدر: لأنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) جمع في المدينة بين صلاتَي الظهر والعصر، وكذلك بين صلاتَي المغرب والعشاء، من غير سفرٍ ولا خوفٍ ولا مطرٍ ولا ضرورةٍ تقتضي ذلك. وإنّما فعل ذلك ليرفع عنّا الحرج والمشقّة. والحمد لله، فإنّ هذا العمل ثابتٌ عندنا عن طريق أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، كما هو ثابتٌ عندكم، معشر أهل السنّة، عن طريق السنّة النبويّة».

ويتابع حديثه قائلًا: «لقد أخذني العجب؛ كيف يكون هذا الأمر ثابتًا عندنا، مع أنّني لم أكن قد سمعت به إلى ذلك اليوم، ولم أرَ أحدًا من أهل السنّة يعمل به؟ بل على العكس، كانوا يقولون إنّ الصلاة تبطل إذا أُدّيت قبل دخول وقتها ولو بدقيقةٍ واحدةٍ، فكيف يُتصوَّر، والحال هذه، أن يصلّي أحدٌ صلاة العصر قبل دخول وقتها بساعاتٍ عقب صلاة الظهر، أو أن يؤدّي صلاة العشاء بعد صلاة المغرب؟ كان مثل هذا الأمر غريبًا عنّا، وكنّا نعدّه باطلًا.

وفطن السيّد الصدر من ملامح وجهي إلى مدى دهشتي واستغرابي من قوله بجواز الجمع بين صلاتَي الظهر والعصر، وكذلك بين صلاتَي المغرب والعشاء. فما كان منه إلّا أن أشار في الحال إلى أحد الطلبة الحاضرين، فنهض وأحضر لي مجلّدين من الكتب. فإذا بهما كتابا "صحيح مسلم" و"صحيح البخاريّ". ثمّ طلب السيّد الصدر من ذلك الطالب أن يدلّني على الأحاديث الواردة فيهما بشأن الجمع بين الفريضتين.

فقرأتُ في الكتابين أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) جمع بين صلاتَي الظهر والعصر، وكذلك بين صلاتَي المغرب والعشاء، من غير خوفٍ ولا مطرٍ ولا أيّ ضرورةٍ أخرى. ووجدتُ في "صحيح مسلم" بابًا كاملًا يتناول هذه المسألة. ومع ذلك، ظللتُ في غاية الدهشة والحيرة، وخامرني الشكّ في أنّ هذين الكتابين، أعني "صحيح مسلم" و"صحيح البخاريّ"، لعلّهما قد تعرّضا للتحريف أو أنّهما ليسا الكتابين الأصليّين. وكنتُ أقول في نفسي: عندما أعود إلى تونس، بلدي، سأراجع هذين الكتابين هناك، وأتحقّق من هذه المسألة تحقّقًا دقيقًا.

وفي تلك اللحظة، سألني الشهيد الصدر: بعد هذا الدليل، ما رأيك الآن؟

فقلتُ له: أنتم على الحقّ، وأنتم صادقون. وشكرتُ السيّد الصدر، غير أنّني لم أكن مقتنعًا في قرارة نفسي بعد، إلى أن عدتُ إلى بلدي تونس، فحصلتُ على نسختَي "صحيح مسلم" و"صحيح البخاريّ" وسائر المراجع ذات الصلة، وعكفت على مراجعتها ودراستها بدقّةٍ، حتّى اقتنعتُ اقتناعًا كاملًا بأنّ الجمع بين صلاتَي الظهر والعصر، وكذلك بين صلاتَي المغرب والعشاء، من غير ضرورةٍ لا إشكال فيه؛ فقد ثبت أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) جمع بينهما على هذا النحو».

ويتابع حديثه قائلًا: «فرأيتُ أنّ الإمام مسلمًا أورد في صحيحه حديثًا عن ابن عبّاس، في باب الجمع بين الصلاتين في غير السفر، يفيد بأنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) جمع بين صلاتَي الظهر والعصر، وكذلك بين صلاتَي المغرب والعشاء.1

كما أورد أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) جمع في المدينة بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، من غير خوفٍ ولا مطرٍ، فسُئل ابن عبّاس: لِمَ فعل النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ذلك؟ فأجاب: "كَيْلَا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ"، أي: حتّى لا يوقع أمّته في الحرج والمشقّة.2

ورأيتُ كذلك في "صحيح البخاري" وقرأتُ فيه أنّ ابن عبّاس نقل أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) صلّى سبع ركعاتٍ للمغرب والعشاء، وثماني ركعاتٍ للظهر والعصر، متعاقبةً من غير فصلٍ بينهما3.

ووجدتُ الرواية نفسها قد وردت في "مسند أحمد"4، كما أوردها الإمام مالك في مؤلّفاته، ومنها "الموطّأ": "صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ) الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا، فِي غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا سَفَرٍ".5

وخلاصة القول أنّه، مع وضوح هذه المسألة وثبوتها في المصادر الأصيلة، يثير الاستغراب أن يعمد بعض أهل السنّة، بدافع التعصّب، إلى تقديمها بوصفها إشكالًا كبيرًا على الشيعة، متغافلين عن أنّ هذا الحكم ثابتٌ في كتبهم الأصيلة نفسها».

الهوامش:

  1. صحيح مسلم، ج 2، ص 151، باب (الجمع بين الصلاتين في الحضر).
  2. المصدر نفسه، ص 152.
  3. صحيح البخاري، ج 1، ص 140، باب (وقت المغرب).
  4. مسند الإمام أحمد بن حنبل، ج 1، ص 221.
  5. موطّأ الإمام مالك (شرح الحوالك)، ج 1، ص 161.

لمراجعة التقرير باللغة الفارسية يرجى الضغط هنا.

المحرّر: حسن رحمانيّ

المصدر: وكالة أنباء الحوزة

سمات

تعليقك

You are replying to: .
captcha